نظرة عامة عندما يتطرق الحديث إلى مسألة الطاقة النووية، فإن أول ما يتسرّب إلى الذهن هو موضوع الدمار الشامل وبالتحديد السلاح النووي بمختلف ذخائره الذرية والنيترونية والهيدروجينية.. ولكن في واقع الأمر هناك أوجه أخرى لاستخدامات الطاقة النووية
التي يطلقها تفاعل الإنشطار أو الإندماج النووي، ناهيك عن الإستخدامات الأخرى المرتبطة بالإشعاع النووي والنظائر المشعّة.
والمقصود أن هناك إستخدامات سلمية للطاقة النووية، تعمل على خدمة الإنسان وتحسين ظروف حياته، ذلك أن هذه التكنولوجيا المبتكرة تقدّم حلولًا متميّزة لجانب من أضخم التحديات المحيطة بالحياة اليومية للبشر في العديد من المجالات منها، على سبيل المثال لا الحصر، الطاقة والصحة والتنمية الإقتصادية والصناعية..
أولًا- بداية الطاقة النووية:
الانطلاقة الفعلية للطاقة النووية كانت لأغراض عسكرية، وذلك على خلفية الظروف الجيوسياسية والحرب العالمية الثانية (1939- 1945) والتي فرضت سباقًا علميًا متصاعدًا في مجال التسلّح، حيث كانت الحاجة إلى التفوق العسكري هي المحرك الأساسي لمختلف الأنشطة العلمية آنذاك.
ففي عام 1934 توصل العلماء في ألمانيا إلى ابتكارٍ مفاده أن عملية انشطار ذرة اليورانيوم من شأنها إنتاج طاقة هائلة منقطعة النظير، يمكن استخدامها في المفاعلات النووية لتوليد الكهرباء، أو حتى استخدامها لأغراض عسكرية لكونها تتميز بالقدرة الفائقة على التدمير. وبناء على هذا الإكتشاف كرّس العلماء الألمان جهودهم في محاولة جادّة لتطوير برنامج نووي لا يحمل الصفة السلمية، وكان أملهم الخروج بسلاح رهيب يكون قادرًا على قلب موازين القوى لصالحهم خلال الحرب التي كانوا يعتزمون خوضها، وهي الحرب العالمية الثانية. وفي تلك الأثناء سرعان ما انتقلت الفكرة بطريقة تجسّسية إلى الجانب الأمريكي الذي انتزع زمام المبادرة فسارع إلى إنشاء مشروع مانهاتن (1942–1945) الذي شكل أول تطبيق عملي للطاقة النووية، بإنتاج قنابل ذرية لمواجهة ألمانيا واليابان. وتبعًا لذلك حصل أول استخدام قتالي للطاقة النووية، وقد تمثّل في القصف الأمريكي لكل من هيروشيما وناجازاكي اليابانتين بقنبلتين ذريتين في أغسطس 1945، وهو الحدث الذي غيّر وجه التاريخ وقاد إلى العصر النووي.
والجدير بالذكر أن لسان حال المنطق السليم يقول أن الإنجازات في مجال أسلحة الدمار الشامل، وفي مقدمتها السلاح النووي، تُعتبر من الناحية الأخلاقية منافية تمامًا لمبدأ الإستعمال الإيجابي للتطبيقات العلمية.
ثانيًا- آفاق الإستخدام السلمي للطاقة النووية:
حالما وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، بدأ العلماء والحكومات في استكشاف وتقصّي أوجه التطبيقات العسكرية والسلمية للطاقة النووية على حدّ سواء، لكن في هذا المقال سنتناول على وجه التحديد جانب الإستخدامات السلمية داخل إطار البرامج التنموية، حيث يمكن تقسيم هذه الإستخدامات إلى المجالات الآتي ذكرها:
- توليد الطاقة: وهو الاستخدام الأكثر شهرة وانتشارًا، ويرتكز على عملية الإنشطار النووي، حيث يتم انشطار نوى ذرات اليورانيوم، ما يُؤدّي إلى إطلاق كمية هائلة من الطاقة على شكل حرارة، هذه الحرارة تُستخدم لتسخين الماء وتحويله إلى بخار كثيف، الذي يقوم بدوره بتدوير توربينات ضخمة تقوم بتحويل الطاقة الميكانيكية إلى طاقة كهربائية. ويُطلق على هذه الطريقة في توليد الكهرباء الطاقة النظيفة وهي مصدر منخفض الكربون، حيث لا تصدر محطات التوليد غاز ثاني أكسيد الكربون أثناء تشغيلها، مما يجعلها صديقة للبيئة ولا تساعد على تغير المناخ.
ومن ميزات محطات الطاقة النووية أيضًا إعطاء طاقة ذات كثافة عالية، أي أن كمية صغيرة جداً من الوقود النووي (حوالي 7 غرامات من اليورانيوم المخصّب) يمكن أن تنتج نفس كمية الطاقة التي ينتجها طن واحد من الفحم. هذا فضلا على أن المحطات النووية يمكن أن تعمل على مدار الساعة دون توقف مما يوفر طاقة مستقرة للشبكات الكهربية، خلافًا لما هو الشأن بالنسبة للطاقة المتجدّدة الصادرة من الطاقة الشمسية أو المتولّدة بواسطة الرياح.
- الدفع النووي: تُستخدم الطاقة النووية لتشغيل السفن والغواصات وحاملات الطائرات، مما يمنحها قدرة على البقاء في البحر لسنوات دون الحاجة إلى إعادة التزود بالوقود.
- إستكشاف الفضاء: تجرى دراسات متقدّمة لتطوير تقنيات الدفع النووي كوسيلة لتسريع الرحلات الفضائية طويلة الأمد إلى كوكب المريخ وما بعده.
- تحلية مياه البحر: وتتم بنظرية التبخير متعدّدة المراحل التي تُجرى بعد ضخ كميات هائلة من مياه البحر في خزانات عملاقة، ثم تسخين هذه المياه باستخدام الحرارة الناتجة عن المفاعل النووي، وهو ما يؤدي إلى تبخر الماء، وتكثيفه فيما بعد، للحصول على مياه عذبة.

ثالثًا- مجالات استخدام الإشعاع النووي:
تتميّز الإشعاعات الصادرة عن التفاعلات النووية (مثل أشعة جاما وأشعة ألفا وبيتا) المنبعثة من النظائر المشعة، بخصائص فريدة تجعلها أدوات فعّالة قابلة للإستخدام في عديد المجالات، وفيما يلي أهم تطبيقاتها:
- المجال الطبي (الطب النووي):
- التشخيص: يتم حقن كميات صغيرة جداً وآمنة من النظائر المشعة في جسم المريض، وتتجمع هذه النظائر في أعضاء معينة (مثل الغدة الدرقية أو القلب أو العظام)، وتقوم الكاميرات الخاصة بالتقاط الإشعاع الصادر منها لتكوين صور دقيقة تساعد الأطباء على تشخيص الأمراض (مثل الأورام وأمراض القلب) في مراحلها المبكرة.
- العلاج بالإشعاع: يُستخدم الإشعاع عالي الطاقة لتدمير الخلايا السرطانية ووقف نموها، كما يُستخدم في العلاج بالبذرة المشعة، حيث توضع مصادر إشعاعية صغيرة مباشرة داخل الورم أو بالقرب منه لاستهدافه بدقة.
- التعقيم: تُستخدم أشعة جاما بجودة عالية لتعقيم المعدات الطبية (مثل المحاقن والقفازات والمشارط وغيرها من الأدوات الجراحية..) دون الحاجة إلى حرارة. كما تُستخدم لتعقيم منتجات الدم والأنسجة الحيوية المزروعة.
- مجال الزراعة والأغذية:
- حفظ الأغذية عن طريق التشعيع: يتم تعريض المعلّبات والأغذية (مثل بعض الخضروات والفواكه والتوابل) لجرعات مُحدّدة من الإشعاع لقتل البكتيريا والطفيليات والحشرات بطريقة آمنة، مما يطيل من فترة صلاحيتها ويساعد على منع الأمراض المنقولة بواسطة الجراثيم والفطريات وغيرها من الأحياء الدقيقة العالقة بالمواد الغذائية.
- تحسين المحاصيل: يُستخدم الإشعاع لإحداث طفرات وراثية محكومة في البذور، مما يساعد العلماء على تطوير سلالات جديدة من النباتات ذات خصائص أفضل، مثل مقاومة الأمراض، أو زيادة المحصول، أو تحمل الجفاف.
- المجال الصناعي:
- الفحص الإشعاعي: تُستخدم أشعة جاما والأشعة السينية لأغراض لتحقق من جودة اللحامات والهياكل المعدنية في الأنابيب والجسور والمكونات الصناعية الكبيرة، دون الحاجة إلى تدميرها للكشف عن الشقوق أو العيوب الداخلية.
- قياس وتتبع العمليات: تُستخدم النظائر المشعة كـ"صبغات" لقياس معدلات تدفق السوائل في الأنابيب المغلقة، أو اكتشاف التسريبات، أو دراسة تآكل المحركات.
- مجال البحث العلمي والبيئة:
- تحديد العمر (الكربون المشع): يعتمد مبدأ تحليل بقايا الكربون-14 على تحلل هذا النظير المشع لتحديد عمر العينات الأثرية والجيولوجية القديمة.
- تُستخدم النظائر المشعة لتتبع حركة التيارات البحرية، ودراسة مصادر التلوث، وفهم دورات المياه الجوفية.
رابعًا- مخاطر استخدام التكنولوجيا النووية:
على الرغم من الفوائد الكبيرة، فإن استخدام التقنية النووية يستلزم حذراً شديداً وتحوّطات أمانٍ صارمة وإدارة حكيمة، وأهم التحديات هي:-
- النفايات النووية: وجوب التخلص الآمن من الوقود المستهلك والمواد المشعة بشكل علمي موثوق وبطريقة منهجية.
- تأمين السلامة: التقيد بالتدابير الخاصة بتشغيل المفاعلات والمصادر الإشعاعية بأعلى معايير الأمان لمنع الحوادث.
- محاذير إساءة الإستخدام: يجب مراعاة الحيطة من تحويل التقنيات النووية المدنية إلى أغراض عسكرية، وهو ما تراقبه هيئات دولية مثل الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
الطاقة النووية والإشعاع النووي يمكن اعتبارهما سلاحا ذا حدين؛ ففي الوقت الذي تكتنفهما محاذير جمّة تستوجب التعامل معها بتدابير صارمة وإجراءات إحترازية حازمة، إلا أن ميزاتها السلمية تقدم مكاسب استثنائية في مجال التنمية والنهوض بمصالح حياة البشرية؛ بدءًا بتوفير طاقة نظيفة، ومرورًا بتوفير المياه الصالحة للشراب، إلى إنقاذ أرواح المرضى في المستشفيات، وانتهاءً بضمان أمن غذائي أفضل وتحقيق تنمية صناعية.. وعلى هذا النحو تشكل هذه التقنيات مجالا واعدا لمستقبل أكثر نموًّا وازدهاراً، مع مراعاة اشتراطات الأمان وإعطاء أولوية قصوى لمعايير السلامة.



العربية
English 
