مجلة ليبية متخصصة في الشؤون الدفاعية

إيران | بدء الهجوم الإيراني المعلن عنه بالمسيرات والصواريخ على إسرائيل.

إيران | بدء الهجوم الإيراني المعلن عنه بالمسيرات والصواريخ على إسرائيل.

بدأت إيران هجوما على إسرائيل بعشرات الطائرات المسيّرة والصواريخ، ليل السبت، حسبما أكد الجيش الإسرائيلي ومسؤولون إسرائيليون لوسائل إعلام محلية وقال المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي: "قبل قليل أطلقت…

للمزيد

إسبانيا | تعزيز نظام الصواريخ NASAMS أرض جو الخاص بها برادارات MPQ-64 Sentinel بمدى 60 كيلومترًا.

إسبانيا | تعزيز نظام الصواريخ NASAMS أرض جو الخاص بها برادارات MPQ-64 Sentinel بمدى 60 كيلومترًا.

وافق مجلس الوزراء في إسبانيا على تخصيص ميزانية قدرها 45.9 مليون يورو [49 مليون دولار] لخطة تحديث نظام أسلحة ناسامز (نظام الصواريخ أرض جو النرويجي المتقدم). ستؤدي هذه الموافقة إلى…

للمزيد

تهنئة المسلح بعيد الفطر المبارك 1445 هـ / 2024م.

تهنئة المسلح بعيد الفطر المبارك 1445 هـ / 2024م.

يسر هيئة تحرير مجلة المسلح أن تتقدم إليكم بأطيب التهاني بمناسبة حلول عيد الفطر المبارك أعاده الله علينا بالخير و اليمن والبركات , وكل عام والجميع بخير عيد سعيد الصفحة…

للمزيد

روسيا | الانتهاء من تطوير نظام المدفعية الروسي Derivatsiya-PVO AA عيار 57 ملم.

روسيا | الانتهاء من تطوير نظام المدفعية الروسي Derivatsiya-PVO AA عيار 57 ملم.

تم الإعلان رسميًا عن أن روسيا قد أكملت تطوير نظام المدفعية المضادة للطائرات عيار 57 ملم [AAA] Derivatsiya-PVO تم تصميم هذا النظام خصيصًا لتحييد الطائرات بدون طيار والتهديدات الجوية المختلفة…

للمزيد

الكيمياء هي علم واسع الآفاق، يعني بدارسة الطبيعة وخصائص المادة وتركيبها وكيف تخضع للتغيرات .. وتلعب الكيمياء دوراً محورياً في جميع علوم الطبيعة الأخرى من مجالات زراعية وصناعية وصيدلانية وطبية وبيئية الخ ... ولفظ ( كيمياء ) كلمة عربية الأصل . وقد فسرها أبو عبد الله الخوارزمي في كتابه ( مفاتيح العلوم ) بقوله : إن أسم هذه الصيغة - كيمياء - وهو عربي ، وإشتقاقه من كـمي ويكمي " أي ستر وأخفي ".

ونفس هذا التفسير ورد في لسان العرب لابن منظور ، وهذا يتفق مع ما ذهب إليه الرازي حين سمي كتابه في الكيمياء " سر الأسرار" . ومن المعروف أن أهمية العلوم والمعارف تكمن في مدى خدمتها للأغراض الإيجابية التي تعمل لصالح الإنسان ، كما أمر الله سبحانه وتعالى حين قال : " وقل أعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون " . 

وقد كانت هذه هي الخلفية التي أنطلق منها العلماء المسلمون الأوائل ، الذين كان لهم دور رائد في صنع الحضارة الإنسانية في عديد المجالات ، منها مساهمتهم في تطوير علم الكيمياء ، فجعلوه علماً يعتمد على الملاحظات الحسية والتجارب العملية .. كما أبتكروا الموازين والآلات الدقيقة التي ساعدت على إجراء الاختبارات والتجارب ... إن الشواهد الدالة على تسخير العلم في الخير أكثر من أن تحصى ويتجلي أحدها على سبيل المثال ، فيما أثمـرت عليـه جهـود العالميـن الكيميائيين " لويس باستور و روبرت كوخ " خلال القرن التاسع عشر ، من نتائج أدت إلى إنقاذ حياة الملايين من البشر ممن كانوا يتعرضون لشتى الأوبئة والأمراض الفتاكة ، وذلك بفضل إكتشافهما للكائنات الجرثومية الدقيقة المسببة لتلك الأوبئة والأمراض ، وتوصلا إلى ربط العلاقة بينها وبين المرض ، وبالتالي يؤدي القضاء عليها إلي إزالة المرض أو منعه وتبعـاً لذلـك تـم التوصـل إلى إستخـدام المضادات في العلاج وإلى إختراع الأمصال واللقاحات .. وقد كانت هذه الأعمال الجليلة ولازالت بمثابة بادرة فتح جديد في مجال الطب والصحة ، لصالح البشرية جمعاء ساهمت في إنقاذها من الكثير من الأوبئة التي كانت تحصد الملايين من الضحايا سنوياً .

أما تجار السلاح ومروجوا الدمار فلم يتورعوا عن بذل المساعي لإستغلال هذه النتائج الايجابية وتحويرها لغرض إنتاج العوامل البيولوجية بقصد إستخدامها كسلاح لتدمير القوة البشرية ، وشتان بين إحياء النفس وبين قتلها .. والأمثلة على ذلك كثيرة .. وفي ذات السياق نجد أن إختراع الأسلحة الكيماوية جاء على خلفية استغلال علم الكيمياء وتسخيره لخدمة أهداف منافية للأغراض السلمية .
يرجع تاريخ إستخدام السموم في الأعمال القتالية إلي عصور موغلة في القدم ، ولقد كان هذا الاستخدام مبدأ متعارفاً عليه في الأزمنة الغابرة ، وتراوح بين إستعمال سم الأفاعي إلى إستخدام أبخرة الزرنيخ وأدخنـة الكبريـت إلـخ .... فالأسلـحة الكيماوية إذن ليست وليدة العصر وإنما جري تطويرها في العصر الحديث حتى أصبحت على ماهي عليه من فضاعة وشدة تأثير بما تحدثه من قتل بالجملة وتدمير فائق وسريع للقوة البشرية .. وقد يستطيع المرء أن يتصور ذلك ، مثلا إذا علم أن مقــدار نقـطة بحجم رأس الدبوس من غاز ( vx ) المضاد للأعصاب إذا مالامست جسم الإنسان لهي كفيلة بأن تسبب له الموت المحقق في غضون دقائق معدودة.

ذلك بعد سلسلة من التغيرات الفيسيولوجية السريعة التي تنتابه بالتزامن مع أغراض رهيبة وتشنجات عصبية بالغة وتقلصات عضلية أليمة الخ ... ولم يكن هدا النوع من الموت طبعا أشد من الموت بأي سلاح تقليدي . وإنما فضاعة إستخدام الكيمياء في القتال تتمثل في كونها وسيلة من وسائل القتل الجماعي المروع ، كانت ألمانيا أول من قام بتصنيع الغازات السامة الحربية ذات القدرة السريعة على القتل ، وذلك على يد أحد علمائها ، وهو الذي أبتكر نظرية إستخراج النترات من الجو ، ولازالت هذه الطريقة شائعة ومعمول بها في العديد من مصانع إنتاج الأسمدة في بعض البلدان ولقد أختار هذا العالم أن يوجه مسار أبحاثه العلمية ويوظفها في إبتكار وسيلة جديدة للقتل بغاز الكلورين ، في الوقت الذي كانت قيادة الأركان على قناعة تامة بقدرات السلاح الكيماوي إلاَّ أن الدولة الألمانية لم تكن راغبة ، في بداية الأمر ، في إنتهاك القوانين التي تمنع إستخدام الأسلحة الكيماوية ففي عام 1675 أصدرت كل من فرنسا وألمانيا قوانيين تمنع إستخدام الرصاص المسموم .. وفي ميثاق لاهاي عام 1899 صدقت الولايات المتحدة وكذلك الدول الأوروبية الكبرى بما فيها ألمانيـا عـلى عــدم إستخــــدام السمــــوم أو الأسلحة السامة ، كما وقعت هذه الدول لاحقاً على إعلان إضافي بالتعهد بعدم إستخدام المقذوفات التي تحمل غازات خانقة .

لكن منهج الحرب عادة ما يتجاوز الأعتبارات الأخلاقية وينتهك المعاهدات التـي تبـــرم فـي وقت السلم لذلك سرعان ما تخلـت ألمانـيا عـن التزامـها حيـال تلـك المعاهدات الدولية .. وعليه فقد تحطمت تلك القوانين جميعها بعد أن ارتطمت بمنطق الحرب.. وذلك عندما اقتضت مجريات المعارك في الحرب العالمية الأولي هذا الأمر فألمانيا أختارت أن تكون في حل من هذه القوانين ، عندما كانت قواتها المسلحة تحاول أن تحقق خرقاً عسكرياً واسعاً وعميقاً في الخطوط الدفاعية لخصمها ، لذلك لجأت إلي شن أول هجوم كيماوي كبير ، عندما قامت وحدات الدعم الكيماوي في جيشها بفتح الصمامات ورش كميات هائلة من غاز الكلورين وذلك في صباح الثاني والعشرين من شهر أبريل عام 1915 في مدينة "إبير" البلجيكية بمحاذاة الحدود الفرنسية ، وتشكلت سحابة منخفضة من الكلورين وأتجهت بفعل الريح وحالة التهابط إلى القوات الفرنسية والجزائرية إنه مشهد رهيب ، لقد أصيب عشرة ألاف جندي ، لقد حرق الغاز أعينهم وأصيبوا بالإختنـاق وظلـوا يتقلبـون من الألم وهم يتقيأون الدماء الممزوجة برغوة خضراء اللون وكانوا يموتون بالجملة إثر تعرضهم للغاز وباتت الجثث مرمية على طول خط المواقع الدفاعية، على خلفية هده الخسائر الفادحة أصيب النشاط القتالي بالشلل التام في الخط الدفاعي للخصم ، مما جعل الجيش الألماني يعتبر أنه حقق نصراً مبيناً في تلك الجولة القتالية ، ورأى أن إستخدام الغاز الحربي طريقة صائبة في مجري العمليات التعبوية ، وأن ما حدث يعد تغيراً غير معهود أحدثه السلاح الكيماوي، حيث بعملية واحدة وعلي حين غرة تم قتل عدد هائل من الجنود المرابطين ، وفي هذا برهان على ماقد يمكن للحرب الكيماوية أن تفعله من أفاعيل، وعلى إثر هذه النتائج فتح الباب علي مصراعيه أمام آفاق تطوير السلاح الكيماوي....هذا ولا ننسى أن عامل المباغته لعب دوراً محـورياً فـي هـذه العمليـة ، فالجنـود الفرنسيـون والجزائريـون لـم يكونـوا متوقعين أن يشن ضدهم هجوماً كيماوياً ، ولم يكن لديهم أقنعة واقية حيث لم تكن موجودة آنذاك ولا أي وسيلة أخري من وسائل الوقاية أو الإسعافات الأولية الفردية ضد الغازات السامة ، لذلك كانت الخسائر في صفوفهم جسيمة ، هذا فضلاً عن إنعدام أي وجود عضوي أو غير عضوي لوحدات الوقاية الكيماوية ضمن تشكيلات القتال في ذلك العهد ، من الجانب الآخر أعتبر الحلفاء إستخدام هذا السلاح ضدهم أمراً مفاجئاً ومباغتاً ، وقرروا ألا تمر هذه الحادثة دون رد وتدارسوا الكيفية وخلصوا إلى أن الحكمة تقتضي إنتهاج محورين متوازيين هما الوقاية أولا ثم الرد بالمثل. وفي غضون خمسة أشهر تمكن الانجليز بدورهم من تصنيع غاز الكلورين الخانق ، وفي يوم من أيام فصل الخريف من سنة 1915 شنت القوات البريطانية أول هجوم كيماوي في منطقة " لوس " مستهدفة القوات الألمانية , إلا أن الرياح كانت يومئذ تجري بما لا تشتهي السفن ، إذا لم تكن وحدات الإسناد " أو الدعم " الكيماوي التي نفذت الهجوم ، من حيث الكفاءة بما يجعلها دقيقة في ممارسة الرصد الجوي الصحيح من حساب لإتجاه الريح وسرعته ولحالات الثبات العامودي للهواء من تهابط وتعادل وتصاعد .. وذلك حتى يتسنى ضبط سير السحابة الكيماوية نحو الهدف المطلوب ، وعليه فقد فشل الهجوم حينما أنعكس إتجاه الريح وأرتد الغاز على الحلفاء مسبباً خسائر فادحة في صفوف القوات الصديقة ، أدت إلي هزيمة لم تكن متوقعة في تلك المعركة..أصبح شبح الحرب الكيماوية يخيم في الآفاق مما جعل المقاتلين في الجبهات يعانون من هاجس الغازات التي أضحـت سلاحـاً مرعبـاً ، مـما زاد مـن تدنـي معنوياتهم ، إذا لم تعد الخنادق تؤمن الملاذ للجنود بعد أن قوض هذا السلاح الرهيب كل نظم التحصين الميداني التقليدية وذلك بفعل تأثيره المتسارع .. فالغازات الحربية لها قدرة منقطعة النظير على النفاذ والوصول إلي الكائن البشري في أرض المعركة حيثما وجد ، سواء في وسط الخنادق والكهوف أو خلف السواتر أو داخل العربات ، وذلك بحكم خاصية الإنتشار وشمولية التأثير .

مع إطلالة العام 1916 شاع الإستخدام النظامي للغاز الحربي وظل الطرفان المتحاربان على السواء يتبادلان القصف المدفعي بقذائف غاز الكلورين ، وأمسي ما حرمه القانون الدولي مباحا في سياق الحرب . مما أدي إلي إنهيار كامل لإتفاقية لاهاي والإطاحة بمبادئها ، وفي خضم شيوع غاز الكلورين وظاهرة إستخدامه ، بذل الطرفان ما في وسعهما لتأمين سبل الحماية للقوات في الميدان ، وتم الدفع باتجاه الإجراءات الوقائية من تدريب للجيوش وصرف الأقنعة الواقية ووسائل الإسعاف الفردي الأولي الخ .. وكان التدريب على القناع يتضمن طرق الاستعمال من إرتداء فوري بمجرد صدور الإنذار ونزعه بناء على الأوامر وذلك أثناء مختلف الظروف والأوضاع. علاوة على أن أحد التمارين المتقدمة يقتضي إخضاع الجندي لعملية تدريب داخل غرفة غاز خاصة يكون فيها مرتديا للقناع للتيقن من الوصول إلي المهارة وكفاءة الاستخدام ، لأن إكتساب تلك المهارة من عدمها قد يعني الفاصل بين البقاء على قيد الحياة أو الموت والجدير بالذكر أن الغازات الخانقة تصيب الجهاز التنفسي والأعين دون سائر الجسم مما يجعل القناع الواقي بمفرده جديراً بحماية الفرد من خطر هذه الغازات ، إذا أحسن استخدامه ، على خلاف الأنواع الأخري من الغازات السامة الحربية التي تستوجب الوقاية منها حماية الجسم بأكمله فضلا عن الجهاز التنفسي.

فـي غـضون سنـة 1916 طـور الألـمان سلاحهم الكيماوي وعندمـا توصلــوا إلى إنتاج غاز " الفوسجين " الخانق الذي يفوق تأثيره السمي غاز الكلورين بثماني عشرة مرة ، أصيب الأطباء بالذهول عندما وقفوا على تأثير هذا الغاز وكيف يفتك بالرئتين على نحو يجعل الضحية يتوفي تدريجيا كمن يموت غرقاً .
وفي شمال ايطاليا كانت القوات الايطالية قد جهزت خطوطا دفاعية حصينة مكنتها من صد هجمات النمسا حليفة ألمانيا ، لكن في خريف 1917 قامت وحدات الدعم الكيماوي الألمانية بقصف هذا الخط الدفاعي بغاز الفوسجين ، وقد أتجهت سحابة الغاز نحو الايطاليين مخلفة خسائر جمة في صفوفهم بسبب إفتقارهم إلى الوقاية المطلوبة ، وذلك عندما وصل الغاز إلي أعماق المواقع الدفاعية ونفذ إلى الخنادق والكهوف وأحدث من التأثير المميت ما أدى سريعاً إلي مصرع كل الجنود المصابين ، على إثر هذه الحادثة ازداد الاهتمام بتدابير الحماية مما دفع مستوى القدرة الوقائية وساعد على تفعيل الإجراءات الاحترازية ضد هذه الغازات الخانقة . الذي جعل التفكير يتجه إلي وجوب ابتكار غاز جديد أكثر فتكاً ، يكون القنــاع معـه قاصـراً عن تقديـم الوقايـــة و تأمين النجاة للأفراد ، وهو غاز من النوع الذي يصيب الجهاز التنفسي والجلد في آن واحد . وكان إنتاج غاز الخردل إستجابة لهذا التطلع ، إنه غاز عالي السمية له رائحة تشبة الثوم وهو من الصنف الكاوي يهاجم الجسم بأكمله ويتميز بالاستمرارية ويسبب تلوثاً واسعاً ومن شدة خطورة هذا الغاز أنه يخترق الأعين والرئتين ، وقد إرتبط إسم هذا الغاز بمدينـــــة " إيبــــــر" التي استخدم ضدها لذلك يطلق عليه أيضا غاز"الايبريت" وفـي هـذه الأثنـاء ظـل غاز الخـردل السـلاح الكيماوي المفضل لدي الألمان فأطلقوا منه على الحلفاء زهاء مائة وخمسين ألف قذيفة ، مما أدي إلى مصرع أكثر من عشرين ألف قرب مدينة إيبر فيما قام البريطانيون بدورهم بتصنيع غاز الخردل واستخدموه سنة 1918 ضد الجبهة البلجيكية ، وهكذا تصاعدت وتيرة الهجمات المتبادلة فأستحال الموقف الراهن إلى حرب كيماويـة بإمتـياز أوجـدها ذلـك السلاح الرهيب الذي يعد باكورة الإنتاج في قائمة أسلحة التدمير الشامل ، وقد فتك خلال الحرب العالمية الأولي بحياة ما يُقارب عن مائة ألف جندي ، وعلى الرغم من فظـاعته فقد أثبتت الوقائع التاريخية أنه سلاح غير حاسم فيما تبقى الوقاية هي الخيار الأنسب لدرء آثاره ونتائجه ، وفي أواخر سنة 1918 إستسلمت إلمانيا . ولم تشفع لها الأسلحة الكيماوية بأن تنجو من الهزيمة .

تصعيد أنشطة التطوير:
على إثر التدمير الشامل الذي خلفته الحرب الكيماوية في الصفوف القوة البشرية ، أثناء الحرب العالمية الأولى حاول المجتمع الدولي مرة أخرى ترميم هذا الوضع ، المتردي وشرع في اتخاذ تدابير جديدة من شأنها الحيلولة دون التمادي في إستخدامالغازات الحربية السامة في المواجهات العسكرية فأصدر تشريعات بهذا الخصوص ، وقد تم توقيع بروتوكــول جنيـــف 1925 الــذي يحرم استخدام الأسلحة الكيماوية في الحروب لكن هذا التحريم لم يشمل التصنيع والتخزين والحيازة ، وقد وقع الاتحاد السوفيتي آنذاك على الإتفاقية إلاَّ أنه لم يتوقف عن صناعته وتخزينه ، أماَّ الولايات المتحدة الأمريكية فلم تصدق على الاتفاقية إلا سنة 1975 ، أي بعد مرور نصف قرن على إبرامها . فيما صدقت إيطاليا على الاتفاقية ، ولكنها أنتهكـت المواثيـق وأستخدمـت غـاز الفوسجين ضد المجاهدين الليبيين في منتصف العشرينيات ، كما استخدمت غاز الخردل أثناء حملتها على الحبشة في سنة 1935 ، وفي سنة 1936 بينما كان أحد العلماء الألمان يجري بحوثاً لإستخدام المواد الفسفورية في إنتاج أنواع من المبيدات الحشرية للقضاء على الآفات الزراعية ، بهدف رفع مستوي المحاصيل وزيادة الغذاء ، إلا أن هذا العالم رأي في غضون ذلك ، أن يستغل هذه الأبحاث في تحويل وجهة هدفه من إنتاج مبيد حشري إلي اختراع أداة جديدة تستخدم في إبادة بني البشر ، وقد تحقق له أن ابتكر غاز " التابون " وهو من فئة غازات الأعصاب التي تهاجم الجملة العصبية في الإنسان .

وكانـت هـذه الفئـة المبتـكرة مـن الغـازات والتي تصنف علي أساس غازات أعصاب وأنها أخطر أنواع الغازات الحربية على الإطـلاق ، كانـت مرشـحة لأن تكـون السلاح الكيماوي االأكثر إستخداماً في الحرب العالمية التانية ، حيت من شأنها أن تسبب التأثير القاتل السريع المفعول علي نحو لايمكن معه لوسائط الوقاية الفردية المتداولة في ذلك العصر ، أن تكون من الفعالية بحيث تؤمن القدر المطلوب من الحماية إزاء هذا النوع من الغازات لِمَا تتميز به من قدرة فائقة علي النفاد والتأثير الفوري المميـت ، وعند اندلاع الحرب العالمية الثانية ، وفيما كان الاعتقاد سائد باللجوء إلي تبادل الهجمات الكيماوية في سير المعارك ، إلا أن ذلك لم يحصل إذا كانت المعطيات مختلفة تمامآ عن سابقتها ولم تقدم القيادة الألمانية على أستخدام غازات الأعصاب ضد جيوش الدول المتحـالفة وذلـك خوفـاً من ردة الفعـل وأكتفت بالتخطيط للاستخدام لأي تغير قد يطرأ علي الموقف فيما لو لوحت بريطانيا في تلك الاثناء بأنها ستكون علي استعداد لأمطار ألمانيا بغاز سام إذا دعت الضرورة . وهكذا حال هذا التخوف دون تعرض بعض الشعوب الأوروبية لحرب كيماوية طاحنة لا تبقي ولا تدر.

في غضون الحرب الباردة تسابق الاتحاد السوفيتي وأمريكا و الدول الغربية في إنتاج وتطويرا غازات الأعصاب بكميات تفوق ما قد يكفي لابادة سكان المعمورة علي بكرة أبيهم .. لكن أيا من هذه الدول لم تلجأ إلى أستخدام تلك الأنواع .. إلا أن أنواعـاً أخـري مـن السـلاح الكيـماوي استخدمت ضد فيتنام من قبل الجيش الأمريكي في الستينات من القرن الماضي كما تم الاستخدام المتبادل للسلاح الكيماوي في حرب الخليج بين العراق وإيران خلال الثمانينات .

إتفاقية لاهاي لسنة 1993:
شهد العالم في غضون القرن الماضي إنتهاكاً لجميع الاتفاقيات الدولية المتعلقة بمنع الأسلحة الكيماوية مما أدى إلى انهيار كامل لتلك الاتفاقيات على إيقاعات الحروب ، وكان منطق الحرب لاينسجم مع منطق العقل بل أنه كذلك .

وفي محاولة لتدارك الأمر وإعادة تأكيد وتفعيل المواثيق الدولية السابقة ذات العلاقة ، توصلت الأطراف الدولية مجدداً إلي معاهدة حول الأسلحة الكيماوية تحت عنوان ( إتفاقية حظر إستحداث وإنتاج وتخزين وإستعمال الأسلحة الكيماوية وتدمير تلك الأسلحة ) وهي شارحة لذاتها بـدلالة مفـردات عنـوانها ، وتعتمد علي منهجية المراقبة والتحقق كما ترتكز مبادؤها علي الاستبعاد الكلي لإمكانيات إستعمال الأسلحة الكيماوية من أساسها. وهذا من حيث المبدأ قد ينطوي علي خطوة إيجابية في سبيل كبح جماح سباق التسلح في أحد جوانبه مما قد يساهم في الدفع باتجاه الانفراج الدولي بشكل أو بأخر. ومما يعطي هذه الاتفاقية زخماً إيجابيا كونها تدفع أيضا باتجاه تسخير الكيمياء في الأغراض السلمية ، من خلال تجسيد التعاون الفعال بين الدول الأطراف فيها بهذا الشأن بغية تعزيز مجالات التنمية الاقتصادية والصناعية في بلدانهم... هذا بالإضافة إلي ما تتوخاه الاتفاقية من مستهدفات وبرامج تدخل في إطار رفع وتحسين قدرات الوقاية من الأسلحة الكيماوية لدى الدول الأطراف ، والمعلوم أن هذه الاتفاقية صدرت بلاهاي سنـة 1993 ، وقـد أنضمـت إليـها ليبيا عام 2004 وبالتالي أصبحت إحدى الدول الأطراف وتبعاً لذلك تم تشكيل الهيئة الوطنية لمتابعة تنفيذ إتفاقية حـظر الأسلـحة الكيماويــة ويرأسـها محمد رجب القاضي ، أما إجمالي الدول الأطراف في هذه الاتفاقية فقد وصل موخراً إلى 187 دولة بعد إنضمام جمهورية الدومينيكان في شهر 4/ 2009 وتجدر الإشارة في هذه الأثناء إلى أن القلق يساور بعض الدول ، وخاصة العربيـة منـها ، مـن جـهة أن الكيـان الصهيوني يمتلك قدرات كيماوية هائلة ناهيك عن وسائل الدمار الشامل الأخرى في حين يرفض الالتزام بأي قرار دولي الأمر الذي يعد تهديداً لدول المنطقة ، قد يترتب عنه تداعيــات خطيــرة على صعيد الأمن والسلم الدوليين والاستقرار في العالم.

وفي هذا السياق نشير إلي سابقة ليست بعيدة ، لم يتورع خلالها هذا الكيان مؤخراً عن استخدام الفسفور الأبيض، ضد المدنيين العزل في غزة ، الذي عند ملامسته الجلد يقوم بحرق كل الطبقات حتى يصل ألي العظام، وذلك دون أدني مراعاة أو أعتبار للبروتوكول الملحق بمعاهدة عام 1980 بشأن الأسلحة الحارقة ضد المدنيين أو ضد الأهداف العسكرية الواقعة وسط تجمعات سكانية وهذا المشهد إن دل علي شئ فإنما يدل بوضوح علي أن الضوابط الدولية الساعية لإرساء دعائم الأمن والاستقرار في العالم ، ليست في مأمن من الانتهاكات العميقة التي تلحقها بعض الدول المعادية للسلام .

على الرغم من الأهداف التي تضمنتها إتفاقية حظر الأسلحة الكيماوية ، والتي تصب في القانون الدولي الإنساني ، ورغم الجهود الدولية الرامية إلي تفعيل مبادئها الحضارية ، إلاَّ أنها مع ذلك ستبقي حبراً على ورق وفي مهب الريح كسابقاتها ، مالم يساندها تشريع دولي يقضي توقيع عقوبات رادعة عسكرية وإقتصادية ضد كل من يستخدم السلاح الكيماوي ، وذلك من خلال تطبيق الأحكام العادلة علي أساس من الموضعية الكاملة ودون تمييز بين الدول أو تزوير للحقائق ، مع مراعاة الاعتماد علي المعايير الثابتة ذات النمط الموحد والتخلي عن الانتقام العشوائي .

تظل أحتمالات استخدام الأسلحة الكيماوية وسائر أسلحة التدمير الشامل أمر قائما في المواجهات العسكرية ، مما يستوجب إدراك هذه الحقيقة وأخذها دائماً في الأعتبار لذلك ينبغي الدفع باتجاه رفع القدرات الوقائية . وتهيئة سبل التصرف الاستجابي من خلال تأمين وسائط الوقاية اللازمة وأنظمة الإنذار والمراقبة ومعدات التطهير وإزالة التلوث ، وذلك بغية مواجهة الأخطار الناشئة من وراء التعرض لأسلحة التدمير الشامل الفتاكة.

{facebookpopup}

Pin It

Star InactiveStar InactiveStar InactiveStar InactiveStar Inactive
 

 

 

المتواجدون بالموقع

673 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

خدمة التغذية الأخبارية لمجلة المسلح

 

 

 

 

 

  

قائمة البريد

أشترك فى القائمة البريدية لأستقبال جديد المجلة

 

كلمة رئيس التحرير

جيش بلادي

جيش بلادي

من جغرافيا متناثرة لوطن مُمزّق.. بعدما دبّ اليأس في النفوس وانحسرت المقاومة باستشهاد رمزها، واستباحة…

للمزيد

الإثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت الأحد
1
2
3
4
5
6
7
8
9
10
11
12
13
14
15
16
17
18
19
20
21
22
23
24
25
26
27
28
29
30

 

 

كلمة مدير التحرير

على هامش الذكرى...

على هامش الذكرى...

الحياة مليئة بالتجارب التي غالبا ما تترك آثارا عميقة في دنيا الشعوب، إذ ليس غريبا…

للمزيد